اردوغان يزيف تاريخ الدولة العثمانية

تقرير : محمد عبادة .. وهانى جابر 

يحاول العثمانيون الجدد بزعامة الرئيس التركي رجب إردوغان، تزييف تاريخ الدولة العثمانية ووضعه في قالب ناصع البياض، على خلاف حقيقته، لإحياء سياسة التغلغل في المنطقة العربية من جديد، ويعيدون الحديث مجددا عن توسعات العثمانيين في الشرق المسلم في القرن السادس عشر تحت لافتة دعائية مضللة وأسطورة كشفت الوثائق زيقها هي “الفتح العثماني” وسط سجال يروجه أنصار “العثمانلية الجدد” في عواصمنا العربية تحت عنوان البحث عن الفارق بين الفتوحات والغزو.
الأسطورة التركية حرصت على أن تتلاعب بالألفاظ “لغويا” للتغطية على جرائم الغزو العثماني للأقطار العربية، التي دخلت على مدار أربعة قرون في عصر من الجهل والتخلف والشعوذة تحت الاحتلال التركي، قبل أن يسلمها لقمة سائغة إلى الاستعمار الأوروبي، لذا لا يمكن فهم الجدل المتجدد حول “غزو أم فتح” إلا على أرضية الأطماع التركية الحديثة.

التأصيل اللغوي لكلمة “فتح”
قواميس اللغة العربية مثل “لسان العرب” لابن منظور و”القاموس المحيط” للفيروز آبادي، لم تعرف تفرقة واضحة بين مصطلحي الفتح والغزو، حيث جرى استخدامهما للدلالة على التحرك العسكري من قبل أمة ضد أمة أو شعب أو إقليم آخر، لذلك كثر استخدام فتح وغزو في الكتب التاريخية بنفس المعنى تقريبا، فتحدثت كتب الفتوح العربية عن فتح المدن صلحا أو عنوة، أي أن كلمة الفتح لم يكن لها أي مدلول إيجابي كما يحاول أن يروج العثمانيون الجدد. 
هناك دليل آخر على أن استخدام الغزو والفتح كان بنفس المعنى، فتحركات رسول الله (صلى الله عليه وسلم) العسكرية معروفة في كتب التاريخ  باسم “الغزوات” لا “الفتوحات”، النبي نفسه ربما استخدم الكلمة بمعناها الأصيل في اللسان العربي دون إيحاء بقيم إيجابية أو سلبية، إذا ثبتت الرواية عنه حين دخل مكة فقال: “لا تغزى قريش بعدها”.
حاول الأتراك، ومن جرى على نهجهم من الإخوان والجماعات الدينية التي خرجت من عباءتها، اختراع تفرقة في معنى كل من الفتح والغزو، لينقلوا صراعاتهم السياسية إلى ساحة التاريخ والدين، على أمل طمس جرائم الاحتلال العثماني للأقطار العربية، وتقديم صورة براقة للدولة العثمانية على أنها دولة “خلافة شرعية” في تشويه متعمد لوقائع التاريخ، فاستخدموا مصطلح “الفتح” بمدلوله الديني المترسخ في قوله تعالى “إنا فتحنا لك فتحا مبينا” [الفتح: 1]، لإطلاقها على تحركات العثمانيين، مع تحقير متعمد للفظ “الغزو” في المخيلة الإسلامية، من أجل إيجاد صورة ذهنية مغايرة بين الاحتلال العثماني وما جاء بعده من احتلال غربي لأقطار المشرق المسلمة.
المؤرخون العرب قديما كانوا يستخدمون كلمة فتح في كتابتهم لوصف أي غزو أو احتلال من قبل جماعة أو قبيلة لمدينة أو دولة، فلم يكن للمصطلح أية مدلولات إيجابية كما يزعم البعض، وحتى استخدام كلمة الفتوحات لوصف حركة التوسع العربي الإسلامي في القرن الهجري الأول، كانت تستخدم عندما يغزو المسلمون شعوبا غير مسلمة، فهل كانت الشعوب العربية المسلمة في القرن السادس عشر عندما دخلها العثمانيون على غير دين الإسلام؟! فالحديث عن الفتح العثماني يفهم فقط في إطار الحماسة الدينية لدى بعض أبناء التيار الإسلامي الذي ينظر إلى دولة العثمانية باعتبارها آخر “خلافة” إسلامية، لكن دون أي سند تاريخي يبرر مثل هذا الحكم.

الجثث وليمة لكلاب الغزاة
يدحض هذا الادعاء أن سليم الأول عندما قرر مهاجمة أراضي دولة المماليك في الشام ومصر، كان المماليك على رأس أكبر دولة إسلامية في العالم، وكانوا حماة الحرمين الشريفين، ولهم جهودهم الضخمة في الدفاع عن الإسلام أمام هجمات الصليبيين والمغول، لذا لا يوجد أي مبرر شرعي للغزو العثماني، لكن السلطان سليم الذي كانت تصدر له الفتاوى وفق هواه استدعى شيخ الإسلام في إسطنبول ليشرعن له قتال المماليك، فزعم شيخ الإسلام أنهم تحالفوا مع الشاه الصفوي الشيعي وأباح قتالهم بنص فتواه “من يدعم الزنادقة (الصفويون) فهو نفسه (المماليك) منهم”، وعلى أساس هذه “الفتوى المسلحة” احتل العثمانيون مصر والشام ومعظم أقطار العالم العربي لأربعة قرون كاملة، لم يشارك خلالها أهالي هذه الأقاليم في الحكم البتة، بل كانوا رعايا من الدرجة الثانية يتم جمع الضرائب المجحفة بأساليب بشعة لخدمة نزوات العثمانيين في إسطنبول.
يؤكد عدد كبير من المؤرخين المعاصرين أمثال عماد أبو غازي ومحمد عفيفي وعاصم الدسوقي وناصر إبراهيم أن دخول العثمانيين الأقطار العربية كان في حقيقته غزوا صريحا، لأن العثمانيين تركوا ما كانوا يصفونه بـ”الجهاد” لفتح الأقاليم في أوروبا المسيحية، لحساب غزو الشرق المسلم، وهو أمر لا يمكن تبريره إلا باعتباره رغبة واضحة في السيطرة والهيمنة على ثروات الأقاليم المسلمة، ما ظهر في نهج سليم الأول الذي ارتكب في غزوه لمصر والشام الكثير من المذابح التي سجلها المؤرخ المصري المعاصر للأحداث، ابن إياس في كتابه “بدائع الزهور في وقائع الدهور”.
يسرد ابن إياس، وقائع الاحتلال العثماني لمدينة القاهرة، وما ارتكب فيها من مذابح، قائلا: راح الصالح بالطالح، وصارت جثثهم (أي أهل مصر) مرمية على الطرقات من باب زويلة إلى الرملة إلى الصليبة إلى قناطر السباع إلى الناصرية إلى مصر العتيقة، فكان مقدار من قتل في هذه الوقعة من بولاق إلى الجزيرة الوسطى إلى الناصرية إلى الصليبة فوق العشرة آلاف إنسان في مدة هذه الأربعة أيام، ولولا لطف الله تعالى لكان لعب السيف في أهل مصر قاطبة. وظلت الجثث مرمية وقد تناهشتها الكلاب كما صارت الخيول مرمية في الرملة وفي الأسواق والأزقة وقد قتلوا بالبنادق والرصاص في الواقعة.
ما ذكره ابن إياس يبدد محاولة الترويج للاحتلال العثماني على أنه فتح مبين لمصر، بل إنه يكشف ببساطة أن الأطماع التوسعية المحرك الأساسي لسليم الأول لغزو الشرق، فقد عمل على نهب خيرات البلاد ونهبها بطريقة منظمة، فبعد أن حمل معه ثروات البلاد، عمل على تجريدها من خيرة العمال والصناع، فأسر نحو 1800 شخص من خيرة العقول والأيدي الماهرة ما أدى إلى تجريف للاقتصاد والثقافة في مصر، وكان الأمر مأساويا إلى الحد الذي دفع ابن إياس للقول: ما خرج سليم من مصر حتى غنم أموالها وقتل أبطالها ويتم أطفالها وأسر رجالها وبدد أحوالها وأظهر أهوالها.

تسليم البلاد العربية للاستعمار
يرد المؤرخون على مزاعم العثمانيين الجدد أن المصريين لم يعلنوا الثورة ضد الحكم العثماني، ما يعني قبولهم لهم، بأنها قراءة مغلوطة للتاريخ، فالشعوب المحتلة من الغازي العثماني لم تكن لديها بعد القدرة على التراكم السياسي والفكري الذي يؤدي إلى إعلان الثورة، خاصة أن العثمانيين لجأوا إلى سلاح خبث تمثل في تدجين النخب المحلية وإغداق الامتيازات عليهم، لفصلهم عن أي حراك شعبي قد يوجه للسلطة العثمانية، التي عبر العرب عن كراهيتهم لها في صور الأمثال الشعبية وشعر الزجل الذي انتشر انتشار النار في الهشيم في معظم قرى مصر والشام والعراق.
يرى عاصم الدسوقي، رائد المدرسة المصرية في التاريخ الحديث، أن العثمانيين كانوا مجموعة من الغزاة الذين فرضوا حكمهم بقوة السلاح على الشعوب العربية، ومن كان يعترض على سطوتهم يتم قتله فورا، لذا كان طبيعيا أن يتم تغييب أبناء الأقاليم عن المشاركة في أي من مؤسسات الحكم التي ظلت حكرا على النخبة العثمانية، فولاة مصر والشام والعراق كان يتم تعيينهم من قبل السلطان في إسطنبول، فيما انحصر دور الشعوب المحتلة في دفع الضرائب المجحفة، وهو مقابل لمفهوم الجزية الذي يستخدم مع الشعوب غير المسلمة، لذا تركت الشعوب العربية فريسة الجهل والتخلف، فتحولت إلى مجتمعات هشة سرعان ما سقطت في يد الاحتلال الأوروبي، في وقت عجز العثمانيون عن الدفاع عنهم.

دور الإخوان في ترويج الأكاذيب
اكتسبت حملة تبرير الغزو العثماني قوة، بعدما أسس حسن البنا جماعة الإخوان المسلمين في مصر عام 1928، كرد فعل على إسقاط الدولة العثمانية في تركيا عام 1924، إذ قاد موجة الحديث الرومانسي عن العثمانيين محاولا صبغ الأمر بمسحة دينية، وهو نفس موقف معظم أبناء التيار الإسلامي بتنويعاته السلفية، التي رأت في تمجيد التاريخ العثماني وطمس مسالبه صورة من صور مقاومة الاحتلال الغربي، ثم انتقل الجدل إلى ساحة السياسة بعدما تحالف إردوغان مع الإخوان في المنطقة العربية، ما رفع معدلات الحديث عن جدلية الغزو والفتح، في أحدث نسخ التلاعب الإردوغاني بالتاريخ لقبوله من أجل تنفيذ أجندته التوسعية في العالم العربي.

admin

شبكة " الوادى نيوز " أسسها المستشار الإعلامى د أحمد حافظ وذلك من اجل العمل على تحقيق وتعزيز حرية الكلمة والنشر والتعبير ودور الإعلام المستقل فى تحقيق المصلحة الوطنية طبقا للسياسة العامة للدولة ،، خلق جيل جديد من الإعلاميين والصحفيين ،،  ونشر ثقافة الوعى بين المواطنين المصريين فى الداخل والخارج بموضوعية ،، والإهتمام بالإبداع والابتكار فى العمل الإعلامى ،، والتأكد على أهمية حقوق الإنسان والمواطنة فى إطار مجتمع ديموقراطى ،، والإعلاء من شأن وسائل الإعلام الاجتماعي ممثلة في الفيسبوك وتويتر ولينكد إن ويوتيوب للربط بينها وبين ما يتم نشره وبثه على شبكة " الوادى نيوز " 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *